المنجي بوسنينة

121

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الزّهد والتصوّف ، فأصبح - على حدّ عبارة ابن عبد الملك - « منقطعا إلى إسماع الحديث والتصوّف وتروية ما كان عنده ، وفضله مع ذلك يزيد وورعه يتحقّق وأعماله الصّالحة تزكو » . كما نلاحظ ، من ناحية ثانية ، كثرة تنقّلاته بين عدّة مدن . فهو قد سكن غرناطة مدّة ، ثمّ انتقل إلى مالقة ، وبعدها إلى فاس ، ثمّ سبتة حيث استقرّ بأهله وولده . فنحن نلاحظ إذن أنّه قد خرج في الواقع من الأندلس واستقرّ بالمغرب الأقصى ، لكن في مدينة تمثّل همزة الوصل الرّئيسيّة مع المشرق وكأنّ فكرة الرّحلة من جديد أصبحت تراوده مبكّرا بعد عودته من رحلته الثّانية نحو رحلة ثالثة . وهو ما تمّ بالفعل . فمن سبتة كانت رحلة ابن جبير الثّالثة ، وهي الرّحلة الّتي ستكرّس انفصاله نهائيّا عن بلاد المغرب واستقراره بالمشرق . وقد ربط ابن عبد الملك سبب انطلاقها بحدث قد يثير الانتباه ، إذ قلّما نجده وراء قرارات من هذا النّوع ، ويتمثّل في وفاة زوجة أبي الحسين بن جبير المسمّاة أمّ المجد عاتكة وذلك في شعبان سنة 601 ه / 1204 م ، بعد مرض طويل على ما يبدو ، وهي وفاة كان لها تأثيرها الكبير فيه ووصفها بأنّها كانت « لوعة وحرقة » . غير أنّنا نعتقد أنّ هذا الحدث أتى كعامل إضافي وهامّ زاد من حالة القلق الّتي كان يعيشها ابن جبير منذ مدّة وكان فيصلا في دفعه إلى قراره بمغادرة المغرب . وقد كان خروج ابن جبير من سبتة في غضون سنة 602 ه / 1205 م ليصل مكّة في نفس هذه السّنة ويجاور بها طويلا - على حدّ عبارة ابن عبد الملك - ثمّ ببيت المقدس - ليتحوّل فيما بعد إلى الاسكندريّة حيث انقطع إلى التّدريس . وعاش حتّى وفاته بها سنة 614 ه / 1217 م . فيكون بذلك قد عاش المرحلة الأخيرة من حياته بالمشرق ودامت اثنتي عشرة سنة . وما من شكّ أنّ استقراره في نهاية الأمر بالإسكندريّة يعكس خلفيّات عدّة لعلّ من أبرزها كثافة وجود المغاربة بهذه المدينة وكثرة تردّدهم عليها . وما من شكّ أنّ قرار ابن جبير بالاستقرار بالمشرق نهائيّا هو قرار يستدعي التّوقّف والدّراسة المطوّلة ، وهو ما لا يمكن القيام به هنا ، غير أنّنا نعتقد أنّ بعض التفسيرات قد نجدها - إلى جانب حادثة وفاة زوجته - في المشاعر والميولات الّتي أصبحت طاغية عليه والّتي عبّر عنها في طيّات ما دوّنه عن رحلته الأولى ، لعلّ من أبرزها تشوّقه المتزايد في كلّ مرّة إلى زيارة البقاع المقدّسة بالحجاز والشّام وتعلّقه إلى المجاورة بها . فالزّهد ، شعورا وسلوكا وتعبيرا ، قد غلب على أبي الحسين بن جبير ، كما تدلّ على ذلك عديد القرائن . وعلى الرغم من أنّ ابن جبير كان شاعرا مكثرا فإنّ ما وقع الاحتفاظ به أكثر عنه وما طغى على شهرته هو بلا شكّ الكتاب الذي دوّن عن رحلته الأولى إلى المشرق . ويعرف هذا الكتاب عادة باسم « رحلة ابن جبير » . لكن صاحبه وضع له عنوانا آخر هو « تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار » . ومنذ فترة قريبة جدا من عصر المؤلّف شكّكت بعض المصادر في نسبة تحرير نصّ هذه الرّحلة إليه . فهو ما نجد صداه عند أبي جعفر بن الزبير ( المتوفّى سنة 708 ه /